الرئيسية / أبحاث عامة / الامتداد الجغرافي و التاريخي للزوايا بالمغرب -الزاوية البصيرية ( نموذجـــا)-

الامتداد الجغرافي و التاريخي للزوايا بالمغرب -الزاوية البصيرية ( نموذجـــا)-

إن تعريف الزاوية اللغوي هو الركن أو ملتقى الجدران، و هندسيا ملتقى مستقيمين لكن الركن يبقى هو أقرب مفهوم للزاوية، و هذا يحيلنا بالتالي على الدور الديني و الاقتصادي والاجتماعي الذي تقوم به الزاوية المتعدد الوظائف، فهي منارة العلم بلباس صوفي.
· الزاوية البصرية ( كنموذج):
1. المجال الجغرافي:
عرفت الزاوية البصيرية بالجنوب المغربي قبل وسطه وشماله، و لقد امتد صيتها إلى مجال جغرافي واسع على عدة مراحل، عرفت مدا و جزرا، وهذا راجع إلى نشاط شيوخها، فقد أشرفت على  نهر السينغال، أقصى الجنوب الموريطاني، ثم وسط الصحراء المغربية – فالأطلس الصغير و جزء من الأطلس الكبير.
و قد كانت سهول الأطلس الصغير هي نقطة الانطلاقة أو الرباط الصوفي بسوس جماعة سيدي امبارك البصيري – كما تسمى حاليا –  ثلاثاء الأخصاص عمالة إقليم تيزنيت ، حيث بدأت تتوسع هذه الحركة الصوفية في أول مراحلها بالجنوب المغربي- موريطانيا و وسط الصحراء – لتتوسع  مع بداية العقد الأول من القرن العشرين إلى وسط المغرب، حيث  غطت هذه الدعوة كل من سهول الحوز والشاوية وورديغة و تادلة و جزء من الأطلس المتوسط، لكن هذه الدعوة ستعرف تغييرا جذريا في عهد الشيخ المصطفى بن الشيخ سيدي إبراهيم، الذي استطاع أن ينفض عنها غبار الجمود و الخمول – و ذلك بضخ دم جديد في شريانها، أدى إلى سطوع  إشعاع منارتها على كافة التراب المغربي و خارجه بالشرق الأوسط و بعض الأقطار الأوروبية و الإفريقية خلال العقد الأخير من القرن العشرين، و لازال توسع إعلامها ماضيا في الطريق المرسوم لها على يد الخلف الصالح الشيخ إسماعيل بن الشيخ المصطفى، يتجلى في تلبية الدعوة من طرف الكثير من فطالحة العلم و المعرفة بتعدد مشاربهم و اختصاصاتهم، الذين يشاركون في كل الندوات التي تقام بالزاوية البصيرية إحياء لذكرى المجاهد سيدي محمد بن الشيخ سيدي إبراهيم البصير. و هو خير دليل وبرهان على نجم الزاوية الساطع لمن أراد أن يعرف.
2. المجال التاريخي:
ينسب تأسيسي الزاوية البصيرية المقامة حاليا  عند قدم الأطلس المتوسط بتراب جماعة تيزكي قبيلة بني اعياط عمالة إقليم أزيلال إلى القطب الرباني الولي الصالح الشيخ سيدي إبراهيم بن الشيخ سيدي امبارك بن سيدي إبراهيم بن سيدي محمد بن سيدي البشير بن الفقير كيسوم ( قاسم) دفين تراب عمالة إقليم اسمارة. بمكان يسمى ( أربيب) لو بواديكش الساقية الحمراء.
من حيث الانتماء القبلي لهذه العائلة فهي عرش من فرع  المؤذنين أبناء سيدي أحمد الركيبي دفين – الحبش – تراب عمالة إقليم السمارة، و قد اشتهرت هذه العائلة بلقب أهل البصير نظرا للصفة التي اختصوا بها من دون أبناء عمومتهم من الرقيبات – لا سبيل لذكرها – و ربما ينطبق عليها الحكمة الصوفية لأبي الحسن الشاذلي الجزولي رضوان الله عليه: حيث قال:” لقد كف الله بصري في بصيرتي  فصرت أبصر كلي …”
إن الزاوية البصيرية التي نتحدث عنها و التي تحولت إلى مركز إشعاع صوفي، فقد سبق للشيخ سيدي إبراهيم ، انطلاقا من زاوية  والده بالأخصاص عمالة إقليم تيزنيت، أن أسس عدة زوايا بكل المناطق التي كان يقيم بها لنشر الدعوة الإرشادية، لكن  الظروف التي كان يعيشها المغرب آنذاك مع بداية القرن العشرين و فرض معاهدة الحماية و تأثيرات نتائج الحرب العالمية الأولى.
كلها كانت عوامل كافية لتضييق الخناق على الداعية الشيخ سيدي إبراهيم، مما دفعه إلى تغيير أماكن إقامته تفاذيا للاصطدام بنفوذ و سلطة المستعمر، لكنه لم يسجل عليه قط أن  خلف خلفه خرابا و فراغا، بل العكس كان يعين من يخلفه على تلك الزاوية من المريدين المخلصين، في كل المناطق التي أقام بها حيث أتينا على ذكرها سابقا، لكن في عهد الشيخ المصطفى و ابنه الشيخ إسماعيل سيتم إحداث عدة فروع جديدة و ترميم القديمة منها في الكثير من الأماكن  بتراب أقاليم المملكة.
بعد وفاة الشيخ سيدي إبراهيم خلفه ابنه الشيخ سيد عبد الله الذي تحمل مسؤولية تسيير شؤون الزاوية في ظروف جد عصيبة خاصة في فترة الحماية، حيث تعرض لمضايقات المستعمر و الخونة مما أدى إلى سجن أخيه الشيخ الحبيب عوضا عنه. كما أن ظروف الزاوية الاقتصادية كانت متأثرة بما كان يعانيه المغرب خلال الفترتين ( الاستعمارية و بداية الاستقلال )، لكن مع ذلك ظلت صامدة أمام كل التيارات، فورث عنه أخوه الشيخ سيدي الحبيب ثقل المسؤولية بعد وفاته، الذي قام بدور لا يستهان به و بمعيته أخوه العلامة الفاضل سيدي المختار بصير رحمه الله، من أجل ترميم وتجديد الدعوة مما أصابها من ضعف نتيجة العوامل السابقة الذكر، دينية واقتصادية و اجتماعية.
لكن في عهد الشيخ سيدي المصطفى الذي تسلم مسؤولية التسيير بعد وفاة أخيه الشيخ سيدي الحبيب، ستعرف الزاوية تحولا جدريا في توسع عمران مركزها و إشعاعها العلمي، الذي لازال متواصلا في عهد ابنه الصالح الشيخ سيدي إسماعيل الذي يثابر في البحث عن الأحسن للرقي بالخدمات الإنسانية لهذا المقام الذي من أجلها أسس.
3. علاقة الزاوية بالأسرة العلوية الحاكمة:
كان الفضل لهذه المبادرة على يد الشيخ  سيدي إبراهيم البصير عند لقائه بالسلطان مولاي الحسن الأول في إحدى حركاته التي قام بها إلى مناطق سوس في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ثم بعد ذلك بالسلطان مولاي  عبد العزيز بمراكش برفقة الشيخ ماء العينين – زاوية اسمارة –  ثم ورث عنه ابنه الشيخ سيدي عبد الله هذه الخصلة الحميدة، حيث استقبل كذلك من طرف الملك محمد الخامس برفقة المختار السوسي، و خلال هذه الزيارة تسلم منه ظهير التوقير و الاحترام لأفراد هذه العائلة و زاويتهم. فآل هذا التكريم لهذه الأسرة كذلك في لقاء العلامة الفاضل سيدي المختار بالملك محمد السادس حين توليه إلقاء خطبة الجمعة بين يديه بمسجد الحسنى بالدار البيضاء. و كذلك شمل التكريم أخيه الشيخ سيدي المصطفى و بمعيته ابنه الشيخ سيدي إسماعيل حين استقبالهما من طرف  الملك محمد السادس في إحدى زياراته لمنطقة أفورار( إقليم أزيلال).
4. علاقة الزاوية بأخواتها:
هي علاقة متنوعة جغرافيا و تاريخيا و مذهبيا، انطلاقا من علاقتها بالطرق الصوفية التي كانت منتشرة بموريطانيا و شمال مالي و الصحراء المغربية، غير أنها تميزت بعض الشيء بترسيخ هذه الصلة ذات النسمة الصوفية مع كل من زاوية الشيخ ماء العينين بالسمارة و الزاوية  الناصرية بوادي درعة و الزاوية الدرقاوية الأم بسوس للشيخ سيدي الحاج علي بن أحمد والد المختار السوسي وغيرها من الزوايا التي ربطت معها الصلة حديثا في عهد الشيخ سيدي المصطفى و ابنه الشيخ سيدي إسماعيل في كل من المشرق العربي و أجزاء من أوروبا وإفريقيا.
5. خـــاتمـة:
لازالت الزاوية تمارس الدور المنوط بها دون  كلل و لا ملل بفضل المجهود الذي يبذله أفراد هذه الأسرة كل من موقعه المتميز حسب طاقته واختصاصه، و الذين نالوا حظا وافرا من العلم والمعرفة وظفوهما فيما ورثوه عن آباءهم و أجدادهم رضوان الله عليهم جميعا، فمنهم الدكتور و الطبيب و المهندس والأستاذ و الفقيه. كل من هؤلاء على شجيته لم يبدلوا تبديلا بل ظلوا متمسكين بالكتاب و السنة و لم يتزحزحوا عنها قيد أنملة ساعين في طويتهم إلى خدمة كل من لجأ إليهم لا يبخلون على أحد بما منحهم الله من مؤهلات. وفقهم الله جميعا ونفعنا بمحبتهم.
سطات في: 08/05/2014
                                                          
الحنفي بصير
            عضو مؤسسة محمد بصير للأبحاث والدراسات والإعلام 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *